كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{وقالوا} أي: بعد عبادتهم لهم ونهيهم عن عبادة غير الله تعالى: {لو شاء الرحمن} أي: الذي له عموم الرحمة {ما عبدناهم} أي: الملائكة فعبادتنا إياهم بمشيئته فهو راض بها ولولا أنه راض بها لعجل لنا العقوبة، فاستدلوا بنفي مشيئة عدم العبادة على الرضا بها وذلك باطل لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات على بعض، مأمورًا كان أو منهيًا حسنًا كان أو غيره ولذلك جهلهم فقال تعالى: {ما لهم بذلك} أي: المقول من الرضا بعبادتها {من علم إن} أي: {هم إلا يخرصون} أي: يكذبون في هذه النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على رضا الله تعالى بكفرهم فيترتب عليهم العقاب.
ولما بين تعالى بطلان قولهم بالعقل أتبعه بطلان قولهم بالنقل فقال تعالى: {أم آتيناهم} أي: على ما لنا من العظمة {كتابًا} أي: جامعًا لما يريدون اعتقاده من أقوالهم هذه {من قبله} أي: القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلنا الملائكة إناثًا وأنا لا نشاء إلا ما هو حق نرضاه ونأمر به {فهم به} أي: فتسبب عن هذا الإتيان أنهم به وحده {مستمسكون} أي: موجدون الاستمساك به فيأخذون بما فيه، لم يقع ذلك.
ولما بين تعالى أنه لا دليل على صحة قولهم البتة لا من العقل ولا من النقل، بين أنه لا حامل لهم يحملهم عليه إلا التقليد بقوله تعالى: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا} أي: وهم أرجح منا عقولا وأصح منا إفهامًا {على أمة} أي: طريقة عظيمة يحق لها أن تقصد وتؤم ثم أكدوا قطعًا الرجاء المخالف عن لفتهم عن ذلك فقالوا {وإنا على آثارهم} أي: خاصة لا غيرها {مهتدون} أي: متبعون فلم نأت بشيء من عند أنفسنا ولا غلطنا في الاتباع واقتفاء الآثار فلا اعتراض علينا بوجه هذا قولهم في الدين بل في أصوله التي من ضل في شيء منها هلك ولو ظهر لأحد منهم خلل في سعي أبيه الدنيوي الذي به يحصل الدينار والدرهم ما اقتدى به أصلًا وخالفه أيَّ مخالفة ما هذا إلا قصور نظر ومحض عناد ثم أخبر تعالى أن غيرهم قال هذه المقالة بقوله سبحانه: {وكذلك} أي: ومثل هذه المقالة المتناهية في البشاعة فعلت الأمم الماضية مع إخوانك الأنبياء عليهم السلام ثم فسر ذلك بقوله تعالى: {ما أرسلنا} أي: مع ما لنا من العظمة {من قبلك} أي: في الأزمنة السالفة {في قرية} وأغرق في النفي بقوله تعالى: {من نذير} وبين به أن موضع الكراهة والخلاف الإنذار على مخالفة الأهواء {إلا قال مترفوها} أي: أهل الترفه بالضم وهي النعمة والطعام الطيب والشيء الظريف يكون خاصًا بالمترف وذلك موجب لقلة الهم وللراحة والبطالة {إنا وجدنا آباءنا} أي: وهم أعرف منا بالأمور {على أمة} أي: أمر جامع يستحق أن يقصد ويؤم ثم أكدوا كما أكد هؤلاء فقالوا: {وإنا على آثارهم} أي: لا على غيرها {مقتدون} أي: راكبون سنن طريقتهم لازمون لها ففي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
{قل} أي: يا أفضل الخلق لهؤلاء البعداء البغضاء {أولو} أي: أتبغون ذلك ولو {جئتم بأهدى} أي: بأمر أعظم في الهداية وأوضح في الدلالة {مما وجدتم} أي: أيها المقتدون بالآباء {عليه آباءكم} أي: كما تضمن قولكم أنكم تقتفون في اتباعكم بالآثار في أعظم الأشياء وهو الدين الذي الخسارة فيه خسارة للنفس وأنتم تخالفونهم في أمر نفس الدنيا إذا وجدتم طريقًا أهدى في التصرف فيها من طريقتهم ولو أمرًا يسيرًا، ويفتخر أحدكم بأنه أدرك من ذلك ما لم يدرك أبوه فحصل من المال أكثر مما حصل فيا له من نظر ما أقصره ومتجر ما أخسره، وقرأ ابن عامر وحفص: قال بصيغة الماضي أي: قال المنذر أو الرسول وهو النبي صلى الله عليه وسلم والباقون: قل بصيغة الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوه بأن {قالوا} مؤكدين ردًا لما قطع به كل عاقل سمع هذا الكلام من أنهم يبادرون النظر في الدليل والرجوع إلى سواء السبيل {إنا بما أرسلتم به} أي: أنت ومن قبلك {كافرون} أي: ساترون لما ظهر من ذلك جهدنا حتى لا يظهر لأحد ولا يتبعكم فيه مخلوق وإن كان أهدى مما كان عليه آباؤنا فعند هذا لم يبق لهم عذر فلهذا قال تعالى: {فانتقمنا} أي: بما لنا من العظمة التي استحقوا بها {منهم} فأهلكناهم بعذاب الاستئصال ثم عظم أمر النقمة بالأمر بالنظر فيها في قوله: {فانظر} يا أفضل الرسل {كيف كان عاقبة} أي: آخر أمر {المكذبين} لرسلنا فإنهم أهلكوا أجمعون ونجا المؤمنون أجمعون فليحذر من رد رسالتك من مثل ذلك، وهذا تهديد عظيم لكفار قريش. ثم بين تعالى وجهًا آخر يدل على فساد التقليد بقوله تعالى: {وإذ} أي: واذكر يا أفضل الخلق إذ {قال إبراهيم} أي: الذي هو أعظم آبائهم ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن أهل الكتاب وغيرهم {لأبيه} من غير أن يقلده كما قلدتم أنتم آباءكم {وقومه} الذين كانوا هم القوم في الحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض {إنني براء} أي: بريء {مما تعبدون} أي: في الحال والاستقبال.
{إلا الذي فطرني} أي: خلقني {فإنه سيهدين} أي: يرشدني لدينه ويوفقني لطاعته.
تنبيه:
في هذا الاستثناء أوجه؛ أحدها: أنه استثناء منقطع لأنهم كانوا عبدة أصنام فقط، ثانيها: أنه متصل لأنه روي أنهم كانوا يشركون مع الباري غيره، ثالثها: أن تكون إلا صفة بمعنى غير على أن تكون ما نكرة موصوفة قاله الزمخشري. قال أبو حيان: وإنما أخرجها في هذا الوجه عن كونها موصولة لأنه يرى أن إلا بمعنى غير لا يوصف بها إلا النكرة وفيها خلاف، وعلى هذا يجوز أن تكون ما موصولة وإلا بمعنى غير صفة لها.
{وجعلها} أي: إبراهيم {كملة} أي: التوحيد المفهومة من قوله إنني إلى سيهدين {باقية في عقبه} أي: ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله تعالى لأنه عليه السلام مجاب الدعوة وقال: {ومن ذريتي} (إبراهيم:) {ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} (البقرة:) {لعلهم} أي: أهل مكة {يرجعون} عما هم عليه إلى دين أبيهم فإنهم إذا ذكروا أن أباهم الأعظم الذي بنى لهم البيت وأورثهم الفخر قال ذلك تابعوه قال الله تعالى: {بل متعت هؤلاء} أي: الذين بحضرتك من المشكرين وأعداء الدين {وآياتهم} أي: مددت لهم في الأعمار مع إسباغ النعم وسلامة الأبدان من البلايا والنقم ولم أعاجلهم بالعقوبة فأبطرتهم نعمتي، وتمادى بهم ركوب ذلك الباطل {حتى جاءهم الحق} أي: القرآن {ورسول مبين} أي: مظهر لهم الأحكام الشرعية وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
{ولما جاءهم الحق} أي: الكامل في حقيقته بمطابقة الواقع إياها من غير إلباس ولا اشتباه وهو القرآن العظيم {قالوا} مكابرة وعنادًا وحسدًا من غير وقفة ولا تأمل {هذا} مشيرين إلى الحق الذي يطابقه الواقع فلا شيء أثبت منه وهو القرآن الكريم {سحر} أي: خيال لا حقيقة له {وإنا به كافرون} أي: عريقون في ستره بخصوصه حتى لا يعرفه أحد ولا يكون له تابع. ثم ذكر تعالى نوعًا آخر من كفرهم بقوله تعالى: {وقالوا لولا} أي: هلا {نزل} يعني من المنزل الذي ذكره محمد صلى الله عليه وسلم وعينوا مرادهم ونفوا اللبس فقالوا: {هذا القرآن} أي: الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وادعى أنه جامع لكل خير {على رجل من القريتين} أي: مكة والطائف {عظيم} لأنهم قالوا: منصب الرسالة منصب شريف لا يليق إلا برجل شريف وصدقوا في ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة، وهي: أن الرجل الشريف عندهم هو الذي يكون كثير المال والجاه، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس كذلك فلا تليق رسالة الله تعالى به، وإنما يليق هذا المنصب برجل عظيم الجاه كثير المال يعنون الوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود بالطائف، قال قتادة، وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة وعبد يا ليل الثقفي من الطائف، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو الوليد بن المغيرة من مكة ومن الطائف حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي.
تنبيه:
قوله تعالى: {من القريتين} فيه حذف مضاف قدره بعضهم من رجلي القريتين، وقيل: من إحدى القريتين، وقيل: المراد عروة بن مسعود الثقفي كان بالطائف وكان يتردد بين القريتين فنسب إلى كليهما، ثم رد الله تعالى عليهم إعراضهم منكرًا عليهم موبخًا لهم بما معناه أنه ليس الأمر مردودًا ولا موقوفًا عليهم بل إلى الله تعالى وحده والله أعلم حيث يجعل رسالاته بقوله تعالى: {أهم} أي: أهؤلاء الجهلة العجزة {يقسمون} أي: على التجدد والاستمرار {رحمت ربك} أي: إكرام المحسن إليك وإنعامه وتشريفه أنواع اللطف والبر وإعظامه بما رباك له من تخصيصك بالإرسال إليهم لإنقاذهم من الضلال وجعلك وأنت أفضل العالمين الرسول إليهم، ففضلوا بفضيلتك مع أنك أشرفهم نسبًا وأفضلهم حسبًا وأعظمهم عقلًا وأصفاهم لبًا وأرحمهم قلبًا، ليتصرفوا في تلك الرحمة التي هي روح الوجود وسر الأمر لا يحب شهواتهم ولا يقدرون على التصرف في المتاع الزائل بمثل ذلك كما قال تعالى: {نحن قسمنا} بما لنا من العظمة {بينهم} أي: في الأمر الزائل الذي يعمهم ويجب تخصيص كل منهم لما لديه {معيشتهم} أي: التي يعدونها رحمة ويقصرون عليهم النعمة {في الحياة الدنيا} التي هي أدنى الأشياء عندنا وأشار بتأنيثها إلى أنها حياة ناقصة لا يرضاها عاقل، وأما الآخرة فعبر بالحيوان لأنا لو تركنا قسمها إليهم لتفانوا على ذلك فلم يبق منهم أحد، فكيف يدخل في الوهم أن نجعل إليهم شيئًا من الكلام في أمر النبوة التي هي روح الوجود وبها سعادة الدارين {ورفعنا} أي: بما لنا من نفوذ الأمر {بعضهم} وإن كان ضعيف البدن قليل العقل {فوق بعض} وإن كان قويًا غزير العقل {درجات} في الجاه والمال ونفوذ الأمر وعظم القدر لينتظم حال الوجود، فإنه لابد في انتظامه من تشارك الموجودين وتعاونهم ففاوتنا بينهم في الجثث والقوى والهمم، ليقتسموا الصنائع والمعارف ويكون كل ميسرًا لما خلق له وجانحًا لما هُيىء لتعاطيه فلم يقدر أحد من دني أو غني أن يعدو قدره ويرتقي فوق منزلته.
ثم علل ذلك بما ثمرته عمارة الأرض بقوله تعالى: {ليتخذ} أي: بغاية جهده {بعضهم بعضًا سخريًا} أي: ليستخدم بعضهم بعضًا فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم سببًا لمعاش بعض هذا بماله وهذا بأعماله فيلتئم قوام العالم؛ لأن المقادير لو تساوت لتعطلت المعايش فلم يقدر أحد منهم أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنيء، فكيف يطمعون في الاعتراض في أمر النبوة أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ونكل العالي إلى غيرنا، قال ابن الجوزي: فإذا كانت الأرزاق بقدر الله تعالى لا بحول المحتال وهي دون النبوة فكيف تكون النبوة وهذا هو المراد بقوله تعالى: صارفًا القول عن مظهر العظمة إلى الوصف بالإحسان إظهار الشرف النبي صلى الله عليه وسلم.
{ورحمت ربك} أي: المربي لك والمدبر لأمرك بإرسالك وإنارة الوجود برسالتك التي هي لعظمتها جديرة بأن تضاف إليه ولا يسمي غيرها رحمة {خير مما يجمعون} من حطام الدنيا الفاني فإنه وإن تأتَّى فيه خير في استعماله في وجوه البر بشرطه فهو بالنسبة إلى النبوة وما قاربها مما دعا إلى الإعراض عن الدنيا متلاش، وقيل: المراد بالرحمة: الجنة، وجرى عليه البغوي وتبعه الجلال المحلي وابن عادل، وجرى على الأول البيضاوي وتبعه البقاعي وهو الظاهر من الآية الكريمة.
فائدة:
اتفق القراء هنا على قراءة سخريا بضم السين ثم بين تعالى حقارة الدنيا وخستها التي يفتخرون بها بقوله تعالى: {ولولا أن يكون الناس} أي: أهل التمتع بالأموال بما فيهم من الاضطراب والأنس بأنفسهم {أمة واحدة} أي: في الضلال بالكفر لاعتقادهم أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه لحبهم الدنيا وجعلها محط أنظارهم وهممهم إلا من عصمه الله تعالى: {لجعلنا} أي: في كل زمان وكل مكان بما لنا من العظمة التي لا يقدر أحد على معارضتها لحقارة الدنيا عندنا وبغضًا لها {لمن يكفر} وقوله تعالى: {بالرحمن} أي: العام الرحمة دليل على حقارة الدنيا من جهة إعطائها إلا بعد الممقوت، وعلى أن صفة الرحمة مقتضية لتناهي بسط النعم على الكافر لولا العلة التي ذكرها الله تعالى من الرفق بالمؤمنين وقوله تعالى: {لبيوتهم} بدل من لمن بدل اشتمال بإعادة العامل واللامان للاختصاص {سقفًا من فضة} قال البقاعي: كأنه خصها أي: الفضة لإفادتها النور، وقرأ أبو عمرو وورش وحفص بضم الباء الموحدة والباقون بكسرها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وسقفًا بفتح السين وسكون القاف على إرادة الجنس، والباقون بضمها جمعًا وقوله تعالى: {ومعارج} جمع معرج وهو السلم أي: من فضة أيضًا وسميت المصاعد من الدرج معارج لأن المشي عليها مثل مشي الأعرج {عليها} خاصة لتيسر أمرها لهم {يظهرون} أي: يعلون ويرتقون على ظهرها إلى المعالي.
{ولبيوتهم أبوابًا} أي: من فضة أيضًا وقوله تعالى: {وسررًا} أي: من فضة جمع سرير ودل على هدوء بالهم وصفاء أوقاتهم وأحوالهم بقوله تعالى: {عليها يتكئون} ودل على ما هو أعظم من الفضة بقوله تعالى: {وزخرفًا} أي: ذهبًا وزينة كاملة عامة.
تنبيه:
زخرفًا يجوز أن يكون منصوبًا بجعل أي: وجعلنا لهم زخرفًا، وجوز الزمخشري: أن ينتصب عطفًا على محل من فضة، كأنه قيل: سقفًا من فضة وذهب، فلما حذف الخافض انتصب أي: بعضها كذا وبعضها كذا، وقيل: الزخرف هو الذهب لقوله تعالى: {أو يكون لك بيت من زخرف} (الإسراء:) فيكون المعنى ويجعل لهم مع ذلك ذهبًا كثيرًا، وقيل: الزخرف الزينة لقوله تعالى: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت} (يونس:) فيكون المعنى نعطيهم زينة عظيمة في كل باب {وإن كل ذلك} أي: البعيد من الخير لكونه في الأغلب مبعدًا مما يرضينا {لما متاع الحياة الدنيا} أي: التي اسمها دال على دناءتها يتمتع به فيها ثم يزول، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: بتشديد الميم بعد اللام بمعنى إلا حكى سيبويه: (أنشدتك الله لما فعلت) بمعنى إلا، وتكون أن نافية أي: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وقرأ الباقون: بالتخفيف فتكون إن هي المخففة من الثقيلة أي: وإنه كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا.
{والآخرة} أي: الجنة التي لا دار تعدلها بل لا دار في الحقيقة إلا هي {عند ربك} أي: المحسن إليك بأن جعلك أفضل الخلق {للمتقين} أي: الذين هم دائمًا واقفون عن أدنى تصرف إلا بدليل لا يشاركهم فيها غيرهم من الكفار، ولهذا لما ذكر عمر رضي الله عنه كسرى وقيصر وما كانا فيه من النعم قال النبي صلى الله عليه وسلم «ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة» وقال صلى الله عليه وسلم «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر قطرة ماء».
وروى المستورد بن شداد قال: «كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أترى هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا: من هوانها ألقوها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». وعن قتادة بن النعمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحب الله عبده حماه من الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء».
قال البقاعي: ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة والجبابرة من زخرفة الأبنية وتذهيب السقوف وغيرها من مبادي الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة في الكفر قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من يقول: الله، أوفي زمن الدجال لأن من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث أنه لا عداد لهم في جانب الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك الملوك سبحانه.